قراءة سردية في رواية " الأشلاء المقطعة "

أ.د. ايمان السلطاني

جامعة الكوفة/كلية التربية للبنات/قسم اللغة العربية

تعد رواية " الأشلاء المقطعة " لـدكتورة .آمال آل كاشف الغطاء من الروايات التي حاولت الروائية فيها الجمع بين الواقعية وفيما وراء السرد. فقد أظهرت الرواية مرحلة سياسية في تاريخ العراق المعاصر تمثلت في الحرب العراقية الإيرانية وما عاناه الشباب المقاتل في ساحات الوغى وإحساساتهم المختلفة والمتناقضة نحوها ؛ فمن إحساس بالإيثار والبسالة إلى إحساس بالقهر والاستبداد. والى جانب هذا نجد مشاهد اليوم الآخر شاخصة بإعمال الناس وحسابهم .

لم يكن هذه الرواية تحمل الصراع الأزلي الغريزي الإنساني , وإنما تحمل صراعاً فكرياً في أفضلية الأفعال البشرية , واختيار الأصلح منها مذهباً سلوكياً للإنسان , ولما كانت السلوكية الفضلى لا يمكن بلورتها كقانون يجتمع عليه الناس لأنها تخضع لمجموعة من القواعد الوضعية كالإرث الثقافية والديني والعرفي والاجتماعي , لذلك فقد ارتكزت الشخصيات على الحوار سبيلاً للصراع الإيديولوجي القائم بينها .

جاءت الشخصيات واضحة في أفعالها وصفاتها , على الرغم من عدم خلوها من بعض الرموز, فربما تمثل شخصية "سهيل" الإنسان العراقي بتطلعاته وآماله واشكالياته وصراعه مع الدولة والحرب التي تخوضها تلك الدولة , وتمثل شخصية الشيخ صالح الجانب الثوري الصامت من الشعب العراقي, ويمثل والسد سهيل الشخصيات المتنفذة التي تجعل من الحق باطلاً  ومن الباطل حق , وتمثل شخصية والدة سهيل الفساد بكل أشكاله الذي ينهش في جسد الحكومة بكاملها , ويمثل صديق العائلة " احمد"  الانتهازية الوصولية التي تعبث بحقوق الآخرين على أي وجه تراه الأفضل . وهذه الشخصيات سلبية انهزامية ما عدا شخصية الجدة التي جاءت رمزاً لكل أصيل لا يتغير او يخاتل مهما اختلفت الظروف والأحوال . لكننا نجد هذه الشخصيات على وفق تصنيف غد يماس للعوامل (الفاعل والموضوع) و(المرسل والمرسل إليه) و(المساعد والمعارض) لا تشكل شخصيات متصارعة او ثنائيات متضادة , وإنما تحمل شكلاً فكرياً تراه الأصلح لسلوكية المجتمع.

جاءت الوظائف "الأحداث" متشابكة مع بعضها , ويؤدي احدها الى الأخرى , ونجدها في بعض الأحيان قد جاءت بشكل رمزي كما في محاولة البطل صعود الجبل في بدء الرواية , اذ نجد صعوبة شديدة في ارتقاء الجبل تعيق تقدم البطل وصعوده الى القمة , فهذا الحدث جاء كرمز للحياة التي يعيشها أي إنسان والعقبات والصعوبات التي تعترض طريقه من أمور معيشية او معرفية او دينية او اجتماعية او سياسية , فكل هذه الأمور تعمل مجتمعة او منفردة على إشغال الإنسان حتى وقوع اجله.

وعند محاولة دراسة الحدث زمنياً فإننا نجد ان الأحداث تمتد طوليا "أفقيا" او عمودياً "شاقولياً" ,أي أنها تمتد الى الماضي ثم تعود الى نقطة الحاضر ثم تنطلق الى المستقبل ثم تعود الى الماضي , وهكذا . من هنا جاء الزمن يختلط فيه الحاضر والماضي والمستقبل وأحيانا يمتد وأحيانا اخرى يتقلص لذلك نجد ان زمن القصة المتخيلة = زمن الحكاية في حالة الحوار , اذ جاء  الحوار طويلاً ليستوعب النقاش الفكري الحاد بين الشخصيات , ويأتي زمن الخلاصة بصورة فليلة وينعدم زمن الحذف في الرواية .

اما المكان فقد جاء ضبابياً غائماً غير واضح الملامح , فقد يذكر الراوي مدينة او قرية ما , فيصف أهلها وبيوتها , ويتطرق لأحوالهم  المعيشية والاجتماعية من دون ان يسمي تلك القرية او المدينة , لكنه في كل الأحوال مكان أليف غير معادٍ , حتى ان المكان الذي جرى فيه الحساب في اليوم الآخر هو مكان يتميز بالألفة .

اما النسق السردي القائم في هذه الرواية فهو نسق التناوب , اذ نشأت عدة روايات من ضمن الرواية الرئيسة مع استمرار كلاهما في الحكي . وقد جاء الراوي كلي العلم ليجدد الملامح العامة او الخاصة على مسار الحكي على الرغم من ان الرؤية السردية تتجاوز" الرؤية من الخارج"  الى " الرؤية من الخلف" في بعض الأحيان لتدخل الى أعماق الشخصية وتستخرج منها ما مخبوء فيها . بل تتعاون الرؤيتان معاً من اجل تقديم الشخصية .

يمكن ان نعد رواية "الأشلاء المقطعة" رواية تجاوزت التقليدي وحاولت دخول عالم السرد الحديث .

Joomla Templates - by Joomlage.com