الكوسمولوجيا... فيزياء أم فلسفة ؟

أ.د. علي خلف حسن

جامعة الكوفة/كلية التربية للبنات/قسم الفيزياء

الكوسمولوجيا Cosmolojy هي العلم الذي يدرس بنية الكون وتطوره وحركة المادة الكونية وتشكيلاتها ونشؤها وتغيراتها واضمحلالها. كانت الكوسمولوجيا منذ أقدم الأزمان مرتبطة ارتباطا وثيقا بالفلسفة والنظرة للعالم وهي، كعلم يتخذ كل الكون بجميع أشكال حركة المادة فيه وبنيتها الامتناهية كميا ونوعيا وموضوعيا له، لايمكن أن تقتصر على مجرد الرصد والقياس والحساب، إنما تعتمد أيضا على أفكار فلسفية عامة. ولهذا يعتمد تقدم العلم أو عرقلته على الصفة العلمية التي تتمتع بها تلك الأفكار، لهذا السبب كانت الكوسمولوجيا، منذ أقدم العصور وحتى الآن، في بؤرة الصراع بين التيارات الفلسفية المتناقضة .

لم تنشأ الكوسمولوجيا في الأصل كفيزياء، بل نشأت مع الفلسفة كمحاولة عقلانية لفهم العالم ككل. وقد تطور مفهوم العالم ككل ليعني كل ما يحيط بالإنسان من العالم الخارجي، ونشأ هذا المفهوم مع السعي لتفسير صيرورة جميع الأشياء والظواهر المفردة وفنائها تفسيرا عقلانيا.

يختلف العالم ككل عن الأشياء المفردة التي تدرسها الفيزياء، بمعنى إن هذا العالم ليس جسما فيزياويا اعتياديا، إنما هو جسم فريد ليس له مثيل، اذ أن هناك كونا واحدا، لذلك فالعلم الذي يدرسه يتسم بخصوصيات تميزه عن العلوم المفردة كالفيزياء مثلا.

لقد تم تقسيم العالم، سابقا، إلى قسمين الأرض من جهة وباقي الكون الذي يدور حولها من جهة أخرى، وكان لكل قسم قوانينه الخاصة به فأصبحت بذلك ممارسة الكوسمولوجيا كعلم غير ممكنة في الواقع. لكن

التحول الذي حدث بفعل النظام المركزي الشمسي والذي أصبحت به الأرض كوكبا كسائر الكواكب وفقدت فيه موقعها المتميز في الكون، أزال الاعتقاد بالفرق الأساسي بين الأرض والسماء. وحتى الأجرام السماوية فقدت ميزتها القديمة في أنها أجسام هندسية وأصبحت معروفة بأنها تتألف من نفس العناصر الكيمياوية التي تتألف منها الأرض، فإذا كانت الأجسام الكونية والأرضية متشابه مبدئيا، فمن الممكن تطبيق المعارف المكتسبة عن الروابط بين الأشياء والظواهر الأرضية على الأجسام السماوية .

لقد افترضت نظرية نيوتن، التي ربطت علم الفلك النظري بالدراسة التجريبية لحركة الكتل الأرضية، إن الطبيعة التي تتألف من كل الكون هي موضوع دراسة الفيزياء و إن وحدة القوانين في الكون تعني إن الأشياء والظواهر تتشابه كونيا، وهكذا أصبح من الممكن ممارسة الكوسمولوجيا لأول مرة على أسس فيزياوية .

إن كل نظرية في الكون تعتمد على فرضيات أساسية. و الكوسمولوجيا الحديثة تعتمد على فرضيتين أساسيتين، الفرضية الأولى هي فرضية التسوية والتي تقول" بالرغم من التعدد والتباين الهائلين في أشكال مادة الكون يمكن صياغة مقولات عن قيم مساواة معدلة، كمعدل توزيع الكتلة وأطياف الطاقة الرئيسية تصح رغم الانحرافات الكبيرة عن المعدل في بعض الأحيان". والفرضية الثانية فهي مبدأ النسبية العام لأينشتاين وينص هذا المبدأ " على انطباق نفس قوانين الطبيعة الأساسية في كل مكان من العالم وفي كل زمان وفي كل الظروف كما في الأرض". ومعنى هذا من المستحيل صياغة أي مقولة عن الكون دون افتراض هذا المبدأ والذي بصياغته الرياضية يمثل تعبيرا فيزياويا للموضوعة الفلسفية عن وحدة العالم المادية. فإذا أهمل دور 

 

هذه الفرضيات أو اعتقد إن بالإمكان التعامل مع الكوسمولوجيا كما نتعامل مع الفيزياء الاعتيادية فسوف تتحول الكوسمولوجيا إلى ميتافيزيقيا. فالفيزياء علم منفرد، علم لأجزاء محلية مفردة من الكون أما الكوسمولوجيا فلا يمكن أن تكون علما إلا حينما تنظر إلى كل العالم كموضوع ممكن للدراسة الفيزياوية.  كما إن الكوسمولوجيا ليست فلسفة بل لها أصل مشترك مع الفلسفة .

Joomla Templates - by Joomlage.com