المنظور الإسلامي للطفولة

الدكتور: عدنان عبد طلاك الخفاجي

جامعة الكوفة  /كلية التربية للبنات/قسم العلوم  االتربوية و النفسية

أعطى العرب منذ القديم مكانة كبيرة للطفولة المبكرة ونالت في نفوسهم منزلة رفيعة فحظيت بنظرة فريدة في تربيتها والعناية بتنشئتها فكانت حقاً فلذات أكبادهم وزينة حياتهم ومنبع اعتزازهم وحديث مجالسهم وقد أدرك العرب قبل الإسلام أهمية الطفولة وأثرها البالغ في تكوين الشخصية القوية منذ انطلاقهم الأول في الجزيرة العربية.

وعندما جاء الإسلام نمى هذه التربية ورعاها فأبرز ما صلح منها وأضاف عليها وغذاها وجعل هدفها الدين والدنيا وكان القرآن الكريم أصل التعليم وأساس التربية الإسلامية فقد حرص الإسلام علىان تهيئ الطفل لدنيا يعيش فيها بوصفه عضواً نافعاً بالمقدار الذي لا يفسد دينه ولا يصرفه عن آخرته ،فقد دعا إلى الرفق بالطفل قبل قرون من الزمن.. وكان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يداعب الصغار ويلاحظهم ويدربهم على الصلاة. والإسلام لم يترك الطفل على سجيته، بل دعا إلى ضرورة توجيهه وإرشاده. فقد قدّر الإسلام الطفولة حق قدرها ورعاها رعاية لم يرعها أي نظام تربوي قديماً أو حديثاً. فدعا إلى محبة الأطفال والحدب عليهم والرحمة بهم.

واهم ملامح التربية الإسلامية هو تأكيد مبدأ تكافؤ الفرص والفروق الفردية بين التلاميذ والاهتمام بميول الأطفال واستعدادهم وقابليتهم.

لقد حثت سنة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في كثير من المواضع على تحديد مسؤولية كل راع عن رعيته، وخاصة الرجل في بيته ومسؤوليته عن رعيته فالإنسان إذن مسؤول مسؤولية تامة عما استرعاه الله. فيجب على المربي الأب وألام أن يضع البرنامج المناسب في إعداد الولد وتكوينه وتوجيهه ورحم الله شوقي حين قال

ليس اليتيم من انتهى أبواه من                 هم الحياة وخلفاه ذليلاً

إن اليتيم هو الـذي تلقى لـه           أمـاً أو أبـاً مشغولاً

إذاَ فتربية الطفل لها أولوية مطلقة والتربية نموذج وقدوة بمعنى إن الطفل عبارة عن مرآة تعكس كل ما يحدث أمامها، والذي يحيط بالطفل عادة هي البيئة الخاصة وكذلك البيئة العامة، فالطفل محاك ومقلد بطبيعته والنموذج القدوة " الأب وألام " هما أول نموذج في تكوين النواة " الأنا " كما يقول أصحاب مدارس التحليل النفسية .

وتبدأ تربية الطفل من المنظور الإسلامي بتنمية الجسم حتى يشب صحيحاً قوياً. أما التعليم المنظم فيبدأ عندما يصل الطفل إلى سن العقل أو التمييز، وان هذه السن تتراوح بين السادسة والسابعة تبعاً لاختلاف نمو الصبيان ، وقد ورد في حديث للرسول (صلى الله عليه واله وسلم) انه قال: (لاعب ابنك سبعاً وأدبه وآخه سبعاً). ومع تقدم السن تزداد مطالب التعليم وتنمية العقل ولقد أدرك المسلمون إن من طبيعة الطفل أن يكون نشيطاً كثير الحركة وأدركوا إن نشاط الطفل دليل على صحة جسمه ويقظة عقله وصفاء ذهنه .
 ويرى المربون المسلمون إن طبيعة الطفل خيّرة بفطرتها، إذ توجّه فيما بعد إلى الجهة التي توجهه إليها التربية السائدة في مجتمعه. ولقد اتخذ المربون المسلمون هذا الاتجاه منذ فجر الإسلام مستشهدين بقوله سبحانه وتعالى:
)وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا & فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا َتَقْوَاهَا & قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا & وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ( سورة الشمس، الآية (7-10).

ويقول الغزالي في المعنى نفسه:

"الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يقال. فأن عوِد الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه كل معلم ومؤدب وأن عوِد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له ". وتهتم التربية الإسلامية بضرورة الترويج عن نفس الفرد (طفلاً، راشداً، شيخاً، ذكراً، أنثى) وخاصة الطفل. ففي تربية الولد يشير الغزالي (رحمه الله) إلى ضرورة الترويح عن الصبي، وأشار إلى موضوع اللعب لما فيه من فوائد كثيرة تساعد على التوافق السليم، إذ قال: إن في اللعب ثلاث فوائد ووظائف هي: يروض جسم الصغير ويقويه، ويدخل السرور إلى قلبه، ويريح الطفل من تعب الدروس، ويروح عن النفس كللها ومللها. ووضع الغزالي نظاماً تربوياً شاملاً متكاملاً ومحدد المعالم، إذ سعى إلى تربية الأطفال تربية صحيحة، لان بهم تصلح المجتمعات.
كما أكد الغزالي على أهمية اللعب للصغار ويرى إن اللعب وسيلة لبعث النشاط في أجسامهم، وعقولهم ويجعل حياتهم مليئة بالبهجة والسرور. ويرى إن من الضروريات الأساسية لمهنة التعليم أن يقوم بدراسة نفسية المتعلمين وخصالهم لتحقيق الأهداف المتوخاة من عملية التعليم بسهولة ويسر.

ويرى ابن سينا إن اللعب ضروري في مرحلة الطفولة لما له من أهمية كبيرة في تصريف نشاط الطفل وراحته النفسية. وأكد على الأهمية الكبيرة للمعلم في توجيه التلاميذ وإرشادهم وينبغي أن يكون مثالاٍ يحتذى به لان سلوكياته تنعكس على تلامذته.

كما تؤكد التربية الإسلامية على ضرورة احترام الفرد، واحترام شخصيته وعدم التقليل من شأنه لصغره، بل يجب معاملته باللطف والبر واللين، قال (صلى الله عليه واله وسلم): (ليس منا من لا يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا) ، وهذا ينعكس ايجابيا على سلوك الفرد ومما يساعده في التوافق.

إن التربية الإسلامية تُسلّم بأن الأطفال يختلفون في استعداداتهم وما هيئوا له وان بينهم فروقاً في القدرة على التعلم وان بعض الأطفال اقدر من غيرهم في تعلم مجالات معينة من العلم. كما إن منهم من لا يصلح تعليمه إلا لحد معين لا يتعداه. ويرى المربون المسلمون ضرورة توجيه الطفل أو الصبي إلى ما يناسبه من تعليم وان يترك ما لا يقدر عليه إلى ما يقدر عليه. ويقول ابن جماعة: " وإذا علِم المعلم إن تلميذاً لا يصلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه ". فالتربية الإسلامية كما تؤكد على الإنسان المسلم في تربيته وتوجيهه فهي أيضا تؤكد على الطفولة لأنها الأساس في بناء هذا الإنسان.

Joomla Templates - by Joomlage.com