الطلبة و الحياة الجامعية

أ.د. موفق عبد العزيز الحسناوي

تعد الجامعة والتشكيلات العلمية والتربوية والبحثية التابعة لها من العناصر الاساسية في قيادة المجتمع وتوجيهه نحو التطور والرقي واللحاق بعجلة التغيير المتسارعة في العالم لكي يواكب هذا المجتمع تلك التطورات ويتعامل معها ويستجيب لافرازاتها ومعطياتها في جوانب الحياة المختلفة وبالتالي يستثمرها في عملية البناء والتنمية الاجتماعية الشاملة في مختلف الميادين .

فقد اصبح لها الدور الكبير والمتعاظم في ريادة وقيادة الحياة الاجتماعية مع تعقد حركة الحياة والتطورات الحاصلة فيها . واصبح هذا الدور لا يقتصر على تقديم المعارف والمعلومات العلمية في حقل اختصاص الطالب فقط كونه عضو فاعل في المجتمع وانما تعدى هذا الدور وتوسع ليشمل جوانب كثيرة مهمة في حياة الطالب والتي اصبحت الجامعة مساهمة فيها بدرجة كبيرة ومؤثرة ان لم تكن مسؤولة عليها بصورة مباشرة .

لقد كان دور الجامعة في ضوء الفلسفة التربوية القديمة مقتصرا على استقبال الطلبة وتزويدهم بالمعارف التي تنمي الجانب العقلي والمعرفي لديهم فقط من خلال عملية حشو منظمة ومخطط لها للمعلومات في اذهان الطلبة دون الاهتمام بالجوانب الاخرى في شخصيتهم على الرغم من اهميتها الكبيرة لخلق وبناء الشخصية المتكاملة لهم ليكونوا عناصر اجتماعية فاعلة ومؤثرة في محيطهم والوسط الذي يعيشون فيه وبالتالي في مجتمعهم .

وفي ضوء الفلسفة التربوية الحديثة بدأ الاهتمام بالطالب وعمل التربويون على جعله محورا للعملية التعليمية التعلمية وان يكون له الدور الايجابي في طرائق التدريس والتأكيد على ان يكون دور الطالب فاعلا فيها وأن يتعلم كيف يتعلم وكيف يستطيع الحصول على المعلومات عندما يحتاجها وعدم حشو ذهنه بكم هائل من المعلومات بصورة قد تؤدي به الى عدم القدرة على استيعابها والاستفادة منها عند الحاجة .

وهناك جانب مهم في شخصية الطالب هو الجانب الوجداني والذي يعد من الجوانب الاساسية الذي ينبغي الاهتمام به وتنميته بالاتجاه الصحيح لغرض تعديل وتطوير سلوك الطالب بما يتماشى مع العادات والتقاليد الاجتماعية والدينية السائدة في المجتمع . ويتمثل هذا الجانب بأتجاهات الطالب وآرائه وميوله ومعتقداته ونظرته حول مختلف القضايا التي يصادفها بصورة مستمرة او التي تصادفه بين مدة واخرى والتي تتطلب منه اعطاء رأي فيها او تكوين اتجاه صحيح ومدروس نحوها .

وتعد الاتجاهات مهمة جدا في شخصية الطالب لانه من خلالها يستطيع ان يكون مواطنا صالحا وانسانا ملتزما وفاضلا او يكون بالعكس من هذا . وتعد الاتجاهات أحكام يصدرها الإنسان وهى تنمو مرتكزة على النموذج (معرفة) ثم (سلوك) ثم (حالة مزاجية) للطالب .

ويعرف التربويون الاتجاهات بأنها عبارة عن مجموعة من المكونات المعرفية والانفعالية والسلوكية التي تتصل باستجابة الطلبة نحو قضية او موضوع او موقف معين وكيفية تلك الاستجابات من حيث القبول والرفض . حيث ان الاتجاه هو عبارة عن بناء افتراضي يمثل درجة حب الفرد أو كرهه لموضوع معين . وهي تعبر عن محصلة استجابات الطالب نحو ظاهرة اجتماعية معينة وذلك من حيث تأييده لهذا الموضوع أو معارضته له . وبذلك فهي عبارة استعداد خاص عام يكتسبه الطلبة بدرجات متفاوتة ليستجيبوا للمواقف التي تعترضهم بأساليب معينة قد تكون مؤيدة أو معارضة لتلك المواقف .

والاتجاهات عموما تكون اما إيجابية أو سلبية لشخص أو مكان أو شيء أو حدث. ويمكن أن يتناقض الناس أيضاً ويتصارعون تجاه موضوع معين مما يعنى أنهم يمتلكون اتجاهات إيجابية أو سلبية نحو هذا الموضوع في نفس الوقت . وتتكون الاتجاهات إما نتيجة خبرة مباشرة أو تعلم بالملاحظة من البيئة .

وللاتجاهات دور كبير في العملية التعليمية التعلمية لأن مشاعر الطلبة واتجاهاتهم نحو المواد الدراسية والنشاطات المدرسية الأخرى وكذلك اتجاهاتهم نحو المدرسين والطلبة الاخرين تؤثر في قدرتهم على تحقيق الأهداف المتوخاة من عملية التعلم . لأن التعلم الذي يؤدي إلى تكوين اتجاهات ايجابية لدى الطلبة ويهتم بالجانب النفسي والوجداني يكون أكثر فاعلية وتأثيرا من التعلم الذي يؤدي إلى اكتساب المعلومات المتعلقة بالجانب المعرفي من شخصية الطلبة فقط . ويعود سبب ذلك إلى أن الاتجاهات النفسية وخاصة اذا كانت ايجابية تبقى آثارها لمدة طويلة . بينما قد تخضع المعلومات في الجانب المعرفي لعوامل النسيان . كما تؤثر الاتجاهات في قدرة الطلبة على التفاعل الاجتماعي في المحيط البيئي الذي ينتمون اليه ويتشاركون فيه مع الآخرين وفي قدرتهم على تحقيق الذات والشعور بالاعتزاز بأنفسهم وانجازاتهم وسلوكياتهم . وبالتالي قد تؤثر في قدرتهم على التكيف والاستجابة للتغيرات والتطورات المستمرة التي تحدث في المجتمع ويتفاعلون معها بصورة اكثر ايجابية ودقة .

أن شخصية الطالب في جانب كبير ومهم منها ما هي إلا عبارة عن مجموعة من الاتجاهات النفسية التي تتكون عنده فتؤثر في عاداته وميوله وعواطفه وأساليب سلوكه المختلفة . وتتأثر قوة شخصيته بمقدار توافق الاتجاهات النفسية وانسجامها واتساقها فيما بينها مما يولد الشخصية المتزنة المتكاملة لدى الطالب .

والاتجاهات هي أحد المحددات الرئيسة الموجهة للسلوك الاجتماعي للطلبة . وبذلك فإن أي عملية تغيير اجتماعي يتطلب في البداية معرفة الاتجاهات السائدة بين أفراد المجتمع ومنهم شريحة الطلبة والشباب وامكانية اجراء عملية التعديل والتطوير نحو التغيير المرغوب فيه . ومن الأمثلة على المواضيع التي يكون الطلبة اتجاهات نحوها هي النظام الاقتصادي الاجتماعي والنظام التربوي والديمقراطية وعمل المرأة والاختلاط بين الجنسين والأفكار والمعتقدات الدينية واستخدام العقل والمنطق في حل المشكلات ومهنة التدريس والأعمال الحرة والسلع والمواد الاستهلاكية وغيرها من المواضيع التي لها علاقة بالحياة الاجتماعية والمعرفية للطلبة .

وللاتجاهات عدة خصائص ومنها ان الاتجاهات مكتسبة ويمكن تدعيمها أو انطفائها وهي أكثر ديمومة من الدافعية التي تنتهي بإشباعها حيث يمكن قياسها والتنبؤ بها وتمثل علاقة ببين الشخص وموضوع معين وهي قابلة للتغيير والتطوير في ظل ظروف معينة وتتأثر بالخبرة وتؤثر فيها وقد تكون قوية أو ضعيفة نحو موضوع معين .

وهناك عدة وظائف للاتجاهات ومنها ان الاتجاهات من الممكن ان تحدد طبيعة سلوك الطلبة ووجهته . وهي تنظم العمليات الدافعية والانفعالية والمعرفية عندهم حول بعض المواضيع التي يتعايش معها الطلبة في محيطهم الاجتماعي . وهي تنعكس في سلوك الطلبة وأقوالهم وأفعالهم وتساعد في اتخاذ القرارات في المواقف المختلفة التي يصادفها الطلبة مع توفير مقدار معين من الوحدة والاتساق لها . وتعد أساساً لبروز أنماط سلوكية شبه ثابتة نحو الأشياء والمواضيع والمواقف المختلفة . وهي تعد انعكاساً لمدى مسايرة الطالب لمعايير زملائه الطلبة ولقيمهم ومعتقداتهم . كما انها تجعل الطلبة يشعرون ويدركون ويفكرون بطريقة أو طرائق محددة مناسبة لحل الموقف والتفاعل معه .

كما ان هناك عدة انواع من الاتجاهات ومنها الاتجاهات القوية والتي تبدو في موقف الطالب من اهداف الاتجاهات موقفاً حاداً فمثلا الذي يرى العمل المنكر فيغضب ويثور ويحاول تحطيمه إنما يفعل ذلك لأن اتجاهاً قوياً حاداً يسيطر على نفسه . وهناك الاتجاهات الضعيفة وهي التي تتمثل في الذي يقف من اهداف الاتجاهات موقفاً ضعيفاً فهو يفعل ذلك لأنه لا يشعر بشدة الاتجاه كما يشعر بها الطالب في الاتجاه القوي . وهناك الاتجاهات الموجبة وهي الاتجاه الذي ينحو بالفرد نحو شيء ما أي إيجابي . والاتجاهات السلبية وهي التي تجنح بالطالب بعيداً عن شيء آخر أي سلبي . وهناك الاتجاهات العلنية وهي التي لا يجد الطالب حرجاً في إظهارها والتحدث عنها أمام الآخرين . والاتجاهات السرية وهي التي يحاول الطالب إخفائها عن الآخرين ويحتفظ بها في قرارة نفسه وقد ينكرها أحياناً حين يسأل عنها . والاتجاهات الجماعية وهي الاتجاهات المشتركة بين عدد كبير من الطلبة . والاتجاهات الفردية وهي التي تميز طالبا عن آخر . وهناك الاتجاهات العامة وهي التي تنصب على الكليات . ويلاحظ أن الاتجاهات العامة هي أكثر شيوعاً واستقراراً من الاتجاهات النوعية . وهناك الاتجاهات النوعية هي التي تنصب على النواحي الذاتية . وتسلك الاتجاهات النوعية مسلكاً يخضع في جوهره لإطار الاتجاهات العامة وبذلك تعتمد الاتجاهات النوعية على الاتجاهات العامة .

ونظرا لان الجامعة تمثل مرحلة حياتية مهمة بالنسبة للطلبة لها الدور الكبير في بناء وصقل شخصياتهم في مختلف جوانبها . لذا تقع على عاتق هذه الجامعة مهمة تطوير اتجاهات الطالب وافكاره ومعتقداته بالاتجاه الايجابي نحو مختلف القضايا التي تواجهه والتي يتعايش ويتفاعل معها في ضوء العادات والتقاليد الاجتماعية والدينية السائدة في المجتمع والمستلهمة لروح العصر وافرازات التطور العلمي والتكنولوجي في العالم بصورة واعية وصحيحة . وهذا يتطلب منها اعداد خطة منظمة ودقيقة ومدروسة لتنمية اتجاهات الطلبة نحو مختلف القضايا وتجعلهم اصحاب رأي صريح وجريء وموقف محدد وايجابي وقادرين على ابداء الرأي في الوقت المناسب وأن يحترموا تقاليد وعادات مجتمعهم ومباديء دينهم السمحاء والاخلاق الفاضلة وان يكونوا حريصين على وطنهم والمساهمه في بناءه وتطويره من اجل اللحاق بصورة سريعة بركب الحضارة الانسانية المتطورة .

وهذا يتطلب قيام الجامعة ومساهمتها بالعديد من النشاطات الاعلامية التي تعمق الاتجاهات الايجابية عند الطلبة من خلال اعدادها برامج متعددة لهذا الغرض يستطيع من خلالها الطلبة من معرفة حضارة بلدهم وعظمتها ومباديء دينهم السمحاء بدرجة تثير اعجابهم بها . وكذلك تقديرهم لعظمة الخالق العظيم سبحانه وتعالى وجهود العلماء والمفكرين الذين وضعوا اسس الحضارة الانسانية وعملوا على تطويرها واعلاء شأنها من خلال اكتشافاتهم واختراعاتهم العلمية وفي شتى ميادين العلوم . كما انها تزود الطلبة بما يحتاجونه لغرض السيطرة على حالتهم الانفعالية وعدم تسرعهم باصدار الاحكام على الامور والاشياء التي تصادفهم وعدم اتخاذ القرارات بشأنها بصورة مستعجلة وآنية دون دراسة وافية وتفحص دقيق لحيثيات الموقف ومسبباته ونتائجه المحتلمة ومدى تأثيراتها . وبذلك سوف يصبح الطلبة متزنين انفعاليا ولديهم اتجاهات ايجابية نحو مختلف القضايا وملتزمين بمباديء وعادات وتقاليد دينهم ومجتمعهم ومستعدين لخدمة بلدهم والارتقاء به الى مصاف الدول المتقدمة .

وينبغي للجامعة الاهتمام ببرامج الارشاد والتوجيه النفسي والتربوي للطلبة بصورة عامة وتفعيل عمل لجان الارشاد التربوي المشكلة فيها وجعلها اكثر ايجابية وتفاعلا مع الطلبة واعطائها الدور المناسب لها في التأثير في حياة الطلبة داخل الحياة الجامعية وتوجيه الطلبة بمراجعتها من اجل حل المشكلات التربوية والتعليمية والحياتية التي تواجههم . وعلى الجامعة وضع برامج تربوية وارشادية منتظمة ومخطط لها وبأشراف اساتذة اكفاء ومتخصصين من اجل العمل على تنمية اتجاهات الطلبة نحو مختلف القضايا والامور الاجتماعية ذات العلاقة بحياة الطالب وبصورة واعية ودقيقة وهادئة تستخدم اساليب الاقناع وزرع الثقة في نفوس الطلبة وأهمية دورهم في بناء البلد وتطوير المجتمع .

وعلى الجامعة ان تساهم في تنمية روح المواطنة الصالحة وحب الوطن لدى الطالب واستعداده لخدمته والدفاع عنه واعلاء شأنه وان تجعله يشعر بأن انتماءه لوطنة انتماءا ابديا وحبه له حبا ازليا واستعدادا راسخا لخدمته وتطويره والتفاعل مع ابناء مجتمعه لينصهروا في كيان واحد متماسك وذلك من خلال تنمية الاتجاهات الايجابية لدى الطالب نحو مختلف الجوانب التي تتعلق بحياته الاجتماعية والدراسية .

وعلى الجامعة ان تسعى الى تنمية روح الالتزام لدى الطالب بتعاليم دينه السمحاء والعمل بموجب اوامر الله سبحانه وتعالى وطاعته والابتعاد عن المعاصي والذنوب والاهتمام بجواهر الامور وترك قشورها الفارغة لانه اذا صلح ايمان الطالب والتزامه بدينه وخوفه من خالقه صلحت معظم الامور والجوانب الاخرى في شخصيته ان لم تكن جميعها وتطورت اتجاهاته واصبحت اكثر ايجابية وكان انسانا متكاملا ومتزنا ومسؤولا بدرجة كبيرة .

Joomla Templates - by Joomlage.com